فخر الدين الرازي
126
تفسير الرازي
التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصراً لأبصار نفسه ، وكونه مبصراً لذات نفسه . وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ * ( الأبصار ) * صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله : * ( لا تدركه الأبصار ) * يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار ، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب . إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم . فإذا قيل : إن محمداً صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس ، وكذا قوله : * ( لا تدركه الأبصار ) * معناه : أنه لا تدركه جميع الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب . فنقول : هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد البتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثاً ، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب . الوجه الرابع : في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول : إن الله تعالى لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة ، واحتج عليه بهذه الآية فقال : دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر ، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه ، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزاً في الجملة ، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه ، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة . المسألة الثانية : في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية . اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين : الأول : أنهم قالوا : الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، بدليل أن قائلاً لو قال أدركته ببصري وما رأيته ، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضاً ، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية . إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : * ( لا تدركه الأبصار ) * يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال ، والدليل على صحة هذا العموم وجهان : الأول : يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال : لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان ، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء